إصدار رقمي تراثي

قصص من التاريخ الليبي

مجموعة حكايات وروايات من الذاكرة التراثية الوطنية

نسخة HTML كاملة قابلة للتصفح على الهاتف والكمبيوتر

ابدأ القراءة

الفهرس

الفصل الأول: التيس الذي كاد أن يفتك ببنغازي

فى عام 1912، انطلقت الفرقة العسكرية الإريترية الخامسة بقيادة النقيب سافيريني إلى ليبيا، وذلك ضمن الاستعدادات الإيطالية لاحتلال البلاد في إطار ما سيُعرف لاحقًا بـ الحرب الإيطالية التركية[span_1](start_span)[span_1](end_span). كانت هذه الفرقة جزءًا من القوات الاستعمارية الإيطالية التي جلبتها إيطاليا من مستعمرتها في إريتريا، حيث اعتمدت على جنود محليين مدربين لخوض المعارك في الأراضي الليبية، واستقرت فى بنغازي[span_2](start_span)[span_2](end_span). وكانت بنغازي مدينةً تعيش بين الخوف والحذر[span_3](start_span)[span_3](end_span).

وكان الخمر يباع علنًا، أما الحصول على خروف للشواء فكان أصعب من الحصول على زجاجة نبيذ، بسبب قلة الماشية وتشديد الرقابة[span_4](start_span)[span_4](end_span). اتفق خمسة من الأصدقاء البناغزة اللطفاء الضرفاء على إقامة سهرة في غابة اللثامة، لا ينقصها إلا لحم الشواء[span_5](start_span)[span_5](end_span).

"للفرقة العسكرية الإرترية المقيمة قرب التوريلي تيسٌ ضخم، يتقدم استعراضاتهم العسكرية، وهو شعارهم وعزتهم. لو ظفرنا به، فلن ينقص سهرتنا شيء.[span_6](start_span)"[span_6](end_span)

ساد الصمت، ثم تحولت الفكرة المستحيلة إلى خطة محكمة[span_7](start_span)[span_7](end_span). وفي جنح الليل، تسلل الخمسة إلى أطراف المعسكر، يتقدمهم أكثرهم جرأة[span_8](start_span)[span_8](end_span). وما إن اقتربوا من التيس حتى حدث ما لم يتوقعوه؛ فلم يثغُ، ولم يقاوم، بل استسلم في هدوء، ووقار، فكأن الحظ نفسه كان يرافقهم[span_9](start_span)[span_9](end_span). حمله أحدهم على كتفيه، وانسحب الجميع بخفة حتى اختفوا في ظلام الليل[span_10](start_span)[span_10](end_span).

وفي غابة اللثامة، حيث لا يجرؤ أحد على دخولها ليلاً، أوقدوا النار، وذبحوا التيس، وشووه، وأقاموا سهرتهم كما تمنوا[span_11](start_span)[span_11](end_span). وقبل انبلاج الفجر، دفنوا الجلد وما بقي من العظام في حفرة، وأخفوا كل أثر يدل عليهم[span_12](start_span)[span_12](end_span).

لكن العاصفة هبت مع أول ضوء للصباح[span_13](start_span)[span_13](end_span). اصطفت الفرقة الإرترية في ساحة العرض، وكان مكان التيس خالياً[span_14](start_span)[span_14](end_span). بحثوا عنه في كل زاوية، ثم عمَّ الغضب[span_15](start_span)[span_15](end_span). ولم يكن التيس بالنسبة إليهم مجرد حيوان، بل رمزاً للفرقة وهيبتها[span_16](start_span)[span_16](end_span).

ورفعوا الأمر إلى القيادة الإيطالية، معلنين أنهم سيقتحمون بيوت بنغازي بيتاً بيتاً، ويفتشونها بالقوة حتى يعثروا على التيس أو على من سرقه[span_17](start_span)[span_17](end_span). وأدركت القيادة الإيطالية أن تنفيذ هذا التهديد قد يشعل المدينة كلها، وأن تيساً واحداً قد يتحول إلى سبب لمواجهة لا تُحمد عقباها[span_18](start_span)[span_18](end_span).

لذلك لجأت إلى الحكمة بدل الانتقام، وأبلغت قادة الفرقة أن شهوداً رأوا التيس يفر مذعوراً خارج المدينة، وأن فرق البحث ستتعقبه هناك، مع التعهد بتوفير بديل له في أسرع وقت[span_19](start_span)[span_19](end_span). هدأت ثائرة الجنود، وتراجع قرار التفتيش، ونجت بنغازي من حملة قاسية كان الأبرياء سيدفعون ثمنها[span_20](start_span)[span_20](end_span).

أما الأصدقاء الخمسة، فقد ظلوا سنوات طويلة يتبادلون النظرات كلما مروا بالقرب من ذلك المعسكر، ويبتسمون في صمت[span_21](start_span)[span_21](end_span). كانوا يعلمون أن سرهم دُفن مع بقايا ذلك التيس تحت رمال غابة اللثامة، وأن سهرة واحدة كادت تجعل مدينةً كاملة تعيش أياماً من الرعب[span_22](start_span)[span_22](end_span).

وهكذا بقيت الحكاية تتناقلها الألسن، لا بوصفها قصة شواءٍ فحسب، بل باعتبارها واحدة من طرائف بنغازي في زمن الاحتلال، حين كان تصرفاً جريئاً أحياناً فى غير موضعه ووقته قد يدمر مدينةً بأكملها[span_23](start_span)[span_23](end_span).

الفصل الثاني: الرؤيا التي ودّع بها أصحابه

كان جدي الشيخ إبراهيم فرج حويو قاضي قضاة المرج، وقد أمضى فيها عمره قاضياً ومفتياً حتى تقاعد، ثم عاد إلى بنغازي[span_24](start_span)[span_24](end_span). غير أن المرج بقيت تسكن قلبه، فلم يفارقها وجدانه، وظل يحن إليها ما بقي من عمره[span_25](start_span)[span_25](end_span).

وكان أهل المرج يبادلونه حباً بحب، ويستقبلونه بكل تقدير واحترام، ويقبلون يده ورأسه؛ لما عرفوا فيه من العلم والصلاح والعدل[span_26](start_span)[span_26](end_span). وكان المرجع الذي يحتكم إليه المتخاصمون، فيقضي بينهم بما يرضي الله، مستنداً إلى القرآن الكريم وهدي السنة النبوية[span_27](start_span)[span_27](end_span).

ولم تنقطع صلته بالمدينة بعد تقاعده، إذ كان يكثر من زيارتها، خاصة أن القطار كان يربط بين بنغازي والمرج، فييسر التنقل بين المدينتين[span_28](start_span)[span_28](end_span).

وفي إحدى ليالي عام 1936م، رأى الشيخ رؤيا أثرت في نفسه، فما إن أصبح الصباح حتى شد رحاله إلى المرج[span_29](start_span)[span_29](end_span).

"يا إخواني، تعلمون مقدار محبتي لكم، وما جمعتكم إلا لأقص عليكم رؤيا رأيتها البارحة... وقد غلب على ظني أن هذه الرؤيا تشير إلى أن أجلي قد اقترب، وأن وفاتي ستكون في المرج.[span_30](start_span)"[span_30](end_span)

تأثر الحاضرون بكلامه، وأكثروا من الدعاء له بطول العمر، لكنه لم يهدأ حتى أخذ عليهم عهداً بتنفيذ وصيته إن وقع ما توقعه[span_31](start_span)[span_31](end_span).

ثم تناولوا العشاء، وبات الشيخ تلك الليلة في بيت آل ذياب[span_32](start_span)[span_32](end_span). وفي الصباح، جاء أمر الله، فوجدوه قد انتقل إلى رحمة ربه وهو نائم، بعد أن ودع أصحابه وأوصاهم[span_33](start_span)[span_33](end_span).

ولما تبين لآل ذياب وفاة الشيخ فى الصباح، أرسلوا إلى أسرته في بنغازي يطلبون منهم الحضور، مؤكدين ألا يحملوا معهم شيئاً، حتى ولا "باكو شاي"، فقد تكفلوا بجميع نفقات العزاء إكراماً للشيخ ومحبة فيه[span_34](start_span)[span_34](end_span).

فحضر رجال آل حويو إلى المرج بالقطار، وكانوا نحو خمسة عشر رجلاً، واتجهوا مباشرة إلى مقبرة سيدي خليفة، فوجدوا الشيخ قد دُفن تنفيذاً لوصيته، بينما كان أهل المرج جميعاً يتوافدون لتقديم واجب العزاء، حتى قيل إن المدينة لم يتخلف منها أحد[span_35](start_span)[span_35](end_span).

وأقام رجال آل حويو أسبوعاً كاملاً في ضيافة آل ذياب، يتقبلون التعازي من أهل المرج، في مشهد يجسد أسمى معاني الوفاء والمحبة[span_36](start_span)[span_36](end_span).

وتبقى هذه القصة من الروايات التي يتناقلها الناس، وفيها ما يُرجى أن يكون من الرؤى الصالحة التي يكرم الله بها بعض عباده الصالحين[span_37](start_span)[span_37](end_span). والرؤيا الصالحة من المبشرات، لكن حقيقتها وتفسيرها يبقيان من علم الله[span_38](start_span)[span_38](end_span).

الفصل الثالث: الباشا المجهول

هو مصطفى إبراهيم منينه، أحد رجال بنغازي الذين طواهم النسيان رغم ما قدموه من تضحيات جسام[span_39](start_span)[span_39](end_span). ينحدر من عائلة عُرفت بالكرم والضيافة، فجده عبد الله الأمين منينه كان بيته في شارع قصر مقصداً لزوار المدينة، ومن أشهر من نزل فيه الإمام الأكبر وصاحب الدعوة السنوسية المباركة، السيد محمد بن علي السنوسي سنة 1842[span_40](start_span)[span_40](end_span).

وُلد مصطفى إبراهيم نحو سنة 1870، ونشأ في كنف أسرته، وعُرف لاحقاً بلقب "مصطفى الكبير" تمييزاً له عن مصطفى آخر أصغر سناً[span_41](start_span)[span_41](end_span). ومع بداية الغزو الإيطالي لليبيا سنة 1911، كان من أوائل الذين هبّوا للمقاومة، فالتحق بالمجاهد الكبير السيد صفي الدين السنوسي، وكان من مساعديه في معركة القرضابية[span_42](start_span)[span_42](end_span).

وبسبب نشاطه المقاوم، أصدرت السلطات الإيطالية حكماً بإعدامه رمياً بالرصاص، مما اضطره إلى عدم العودة إلى بنغازي بعد معركة القرضابية، فاستقر في أجدابيا حتى سنة 1920، حين عاد بعد إعلان الهدنة وقيام أول إمارة سنوسية في برقة[span_43](start_span)[span_43](end_span).

لكن الهدوء لم يدم طويلاً، فمع استئناف المقاومة بقيادة شيخ الشهداء عمر المختار، وتحت إمرة السيد إدريس السنوسي، ألقي القبض عليه مجدداً، وسُجن في سجن بنينة مع عدد كبير من وجهاء المدينة[span_44](start_span)[span_44](end_span). ولم يُفرج عنه إلا بعد إعدام عمر المختار سنة 1931[span_45](start_span)[span_45](end_span).

بعد خروجه من السجن، عاش ما تبقى من عمره ملازماً بيته والمسجد القريب منه، حتى توفي سنة 1947، بعد حياة حافلة بالصبر والجهاد[span_46](start_span)[span_46](end_span).

ومن أبرز ما كُشف بعد وفاته، أن الأمير إدريس السنوسي بعث رسالة تعزية إلى أسرته، أشار فيها إلى لقب "مصطفى باشا[span_47](start_span)"[span_47](end_span). وقد ظن البعض أن هذا اللقب كان مجرد تكريم معنوي، لكن عند البحث في أوراقه الخاصة، وُجدت براءة رتبة "الباشاوية" صادرة عن السيد أحمد الشريف السنوسي، بصفته نائب الخليفة العثماني في أفريقيا، تقديراً لجهاده ومواقفه الوطنية[span_48](start_span)[span_48](end_span).

ومع ذلك، لم يُخبر مصطفى إبراهيم أحداً بهذا اللقب طوال حياته، معتبراً أن ما قام به واجب لا يُنتظر عليه جزاء ولا شكر[span_49](start_span)[span_49](end_span).

وللأسف، فقدت وثيقة الباشاوية مع الزمن، ضمن ما فُقد من مستندات العائلة، ولم يبقَ دليل عليها سوى رسالة التعزية الأميرية، التي تحفظ ذكر هذا اللقب[span_50](start_span)[span_50](end_span).

ومن المواقف التي تُروى عنه، أنه خلال فترة سجنه في بنينة، أُحضر له كيس كبير من البطاطا، وأُمر بتقشيرها كنوع من الإذلال[span_51](start_span)[span_51](end_span). فرفض ذلك رفضاً قاطعاً رغم التهديد[span_52](start_span)[span_52](end_span). فأمر مدير السجن بصلبه على عمود تحت أشعة الشمس طوال يوم كامل، من طلوعها حتى غروبها، دون طعام أو ماء[span_53](start_span)[span_53](end_span). وعند فك قيوده في المساء، أُغمي عليه من شدة الإعياء[span_54](start_span)[span_54](end_span).

هكذا كانت معادن ذلك الجيل؛ رجال لم تشغلهم الدنيا بزخارفها، ولم يسعوا وراء مكاسب، بل قدموا ما قدموه إيماناً بواجبهم تجاه وطنهم[span_55](start_span)[span_55](end_span).

الفصل الرابع: لماذا لا نصل إلى كأس العالم؟

لماذا لا نصل إلى كأس العالم؟ هذا السؤال ليس رياضياً فقط، بل هو سؤال عن المنظومة والعقلية والصبر الطويل[span_56](start_span)[span_56](end_span). فالتأهل لا يصنعه الحماس الموسمي, بل تصنعه دولة رياضية داخل الدولة: تخطيط، وناشئون، ودوري منتظم، وكفاءة في الإدارة، واستفادة من العلم الحديث، وانضباط في العمل اليومي[span_57](start_span)[span_57](end_span).

وعند التأمل في التجارب الحديثة، نرى أن التصفيات الإفريقية أصبحت أكثر صعوبة، وأن الفرق التي تصل عادة هي التي تحافظ على الاستقرار الفني والإداري عبر سنوات لا عبر أشهر قليلة[span_58](start_span)[span_58](end_span). ليبيا، مثل غيرها من المنتخبات الطامحة، تحتاج إلى مشروع متكامل لا إلى ردود فعل بعد كل إخفاق[span_59](start_span)[span_59](end_span).

النجاح قد يكون ابتلاءً مثل الإخفاق تماماً[span_60](start_span)[span_60](end_span). فإذا وصلنا ثم نسبنا الفوز لأنفسنا أو للخرافة أو للصدفة، ضللنا المعنى[span_61](start_span)[span_61](end_span). أما إذا رأينا النعمة من فضل الله، مع الأخذ الجاد بالأسباب، فإن النجاح يصبح بداية صحيحة لا نهاية مغرورة[span_62](start_span)[span_62](end_span).

والخلاصة أن الوصول إلى كأس العالم ليس مستحيلاً، ولكنه يحتاج إلى عمل طويل النفس، وإدارة شفافة، ومدرسة كروية تصنع الرجال قبل النتائج[span_63](start_span)[span_63](end_span). ومن أخذ بالأسباب كان أقرب إلى التوفيق، ومن تعلّق بالأماني وحدها بقي يدور في مكانه[span_64](start_span)[span_64](end_span).

الملحق: شهادات وتعليقات توثيقية

عمر مفتاح أشكرُك على تأكيد هذه القصة، فهي فعلاً حقيقية ومن مصدر موثوق، وكانت معروفة بالاسم في ذلك الزمان حين تُروى[span_65](start_span)[span_65](end_span).
خالد البرغثي كان عسكر المصوع اسماً يشمل من جاء من عسكر القرن الأفريقي مع المستعمر الإيطالي، من الحبش والإرتريين والصومال، والمصوع نسبة إلى المدينة التي انطلقت منها الحملة[span_66](start_span)[span_66](end_span).
رجب محمد بونخيلة الإريتريون ربما اتخذوا التيس شعاراً احتفالياً، أما قصة التقديس فكانت أقرب إلى بعض الهنود ضمن قوات الكومنولث، وهي رواية موازية متداولة[span_67](start_span)[span_67](end_span).
أشرف أهلال المقريف حول أصل مثل «حد أقرنه»، يُستعمل للدلالة على بُعد المسافة، وله روايات جغرافية وشعبية متعددة بين الشرق والجنوب الغربي[span_68](start_span)[span_68](end_span).